السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
6
فقه الحدود والتعزيرات
دينك : يا محمّد ! من عطّل حدّاً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادّتي . » « 1 » والعجب أنّه قد يزعم بعض المرتابين أنّ هذه العقوبات المقرّرة للمجرمين لا تتحقّق مع المدنيّة والتقدّم ، وقد يرمونها بالعنف والغلظة . وهؤلاء يركّزون النظر على شدّة العقوبة ويتناسون فظاعة الجريمة وآثارها الخطيرة على المجتمع . إنّهم يتباكون مثلًا على يد سارق أثيم تقطع ، ولا تهولهم جريمة السرقة وآثارها الخطيرة من الاعتداء على الأشخاص وأحداث عاهات على الأبرياء . ولقد أثبت التاريخ أنّ المجتمع الإسلاميّ عندما أقام الحدود الشرعيّة ، عاش آمناً مطمئنّاً على أمواله وأعراضه ونظام مجتمعه ، وصار الأمر بحيث إنّ المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحدّ عليه ، رغبة في تطهير نفسه والتكفير عن ذنبه . والشدّة التي تتّسم بها العقوبات المقرّرة في الشريعة ، هي في الواقع رحمة عامّة بالمجتمع ككلّ ، حتّى يتخلّص من شرور الجرائم وأخطارها الوبيلة ، فإنّ هلاك عدد محدود من نفوس المجرمين الآثمين الخارجين على حكم اللَّه ، أو قطع أيديهم وأرجلهم ، أهون كثيراً من ترك الجريمة تفتكّ بآلاف المؤمنين الأبرياء في أرواحهم وأبدانهم وحريمهم وثرواتهم ، بل إنّ شدّة العقوبة بنفسها وكذا تحتّمها رحمة لمن توسوس لهم أنفسهم بالإجرام ؛ حيث تمنعهم تلك الشدّة والتحتّم من الإقدام على الجريمة ، فتحول بينهم وبين التردّي في مهاوي الاجرام ، فهي شدّة في نطاق محدود ، تؤدّي إلى رحمة واسعة شاملة بالنسبة إلى المجتمع الكبير العريض ، بل وبالنسبة إلى المجرم أيضاً في بعض الأحيان ، ويرشد إلى هذا المعنى قوله عليه السلام في مضمرة سماعة في شاهد الزور : « . . . ويطاف بهم حتّى يعرفوا فلا يعودوا . . . » « 2 »
--> ( 1 ) - وسائل الشيعة ، المصدر السابق ، ح 6 ، ص 13 . ( 2 ) - نفس المصدر ، الباب 11 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات ، ح 2 ، ج 28 ، ص 376 .